تصاعد انتهاكات القانون الدولي
خَاطَبَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سفراء فرنسا في العالم قائلًا لهم: «نعيش في عالم يختل توازنه: فمؤسسات التعددية الدولية باتت تعمل على نحو أقل فاعلية ونتحرك ضمن عالم تحكمه قوى كبرى مع نزعة حقيقية إلى تقاسم العالم ... وهذا هو الخطر الكبير الذي يهدد النظام الدولي الذي نعيش في إطاره. فالولايات المتحدة قوة راسخة لكنها تنصرف تدريجيًا بعيدًا عن بعض حلفائها وتتخلى عن قواعد دولية كانت تروج لها في وقت قريب سواء في مجال التجارة أو في بعض عناصر الأمن أو ضمن بعض الأطر والمؤسسات الدولية»، أما وزير خارجيته جان نويل بارو فذهب أبعد من ذلك في خطابه للسفراء الفرنسيين في العالم قائلًا «بعد ثمانين عامًا على إنشاء الأمم المتحدة وخمسة وثلاثين عامًا على سقوط الاتحاد السوفييتي نرى في كل مكان عالمًا فريسة لعملية التوحش».
توحش القانون الدولي الذي تنتهك أسسه، ففي السودان وفي منطقة البحيرات الكبرى وفي غزة كما في أوكرانيا يتعرض ملايين النساء والأطفال والمدنيين الأبرياء للموت والنزوح، وفي أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا تمس سيادة الدول على يد دول هي نفسها أعضاء دائمون في مجلس الأمن أي تلك التي تقع على عاتقها مسؤولية أن تكون حارسة للنظام الدولي ولمؤسساته. نحن نعيش مفارقة صارخة: فالذين صاغوا النظام الدولي القائم على القانون باتوا يرون أن خرقه يحقق لهم مكاسب أكبر من حمايته، وهذا ليس تصورنا. إن الدفاع عن القانون الدولي يقتضي حماية مبادئه ومؤسساته وكذلك القضاة الذين يتعرضون اليوم لهجمات، ومن هنا تأتي قيادتنا لحملة قوية من أجل مقعد في محكمة العدل الدولية.
إن ما قامت به الولايات المتحدة في فنزويلا أثار استياء الأوروبيين الذين كانوا منذ الرئيس هوجو شافيز ثم مادورو ينتقدون بشدة أداء حكمهما، إلا أن طريقة خطف مادورو أثارت استياءهم. العالم الغربي والحليف الأمريكي لم يفعلا شيئًا لإسرائيل مع انتهاكاتها اليومية للأراضي الفلسطينية، فهناك استمرار للقصف الإسرائيلي وسقوط قتلى من الأطفال في غزة وإسرائيل ومع ذلك لا تعاقب. في لبنان أيضًا تقصف المسيرات الإسرائيلية قرى الجنوب وتقتل مدنيين ولا أحد يعاقب إسرائيل. إن حرب غزة التي أسقطت عشرات الآلاف من الأبرياء هي فعلًا صورة لما وصفه وزير الخارجية الفرنسي بعملية التوحش. بقيت سوريا أيضًا ضحية القهر لسنوات وسقط نصف مليون سوري واكتفى الغرب بالعقوبات. إن ما حدث في فنزويلا أثار غضب الاتحاد الأوروبي لكنه اتحاد ضعيف يحتاج إلى الولايات المتحدة. ودوله لا يمكنها حماية أوكرانيا ووقف الحرب الروسية عليها دون الولايات المتحدة. حتى إنها لم تتمكن من الصمود أمام الإدارة الامريكية عندما فرض الرئيس دونالد ترامب ضرائب على السلع الأوروبية، ووافقت رئيسة المفوضية الأوروبية على تلك الضرائب.