إنّ الطّعام إقامةُ أوَد، ولا يعيشُ الإنسان ويستمرّ في أداء ما أرادَ الله منه دونَه، ولِذا كان -لوظيفته تلك- ممدوحًا من الوجوه كلّها، ولا يُمكن لِما يُبقيكَ حَيًّا أنْ يكونَ مذمومًا، مهما كان قليلًا أو خَشِنًا أو غيرَ مُشتَهى، فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مدح الخلّ والخُبز ليسَ من جهة قيمتهما المادّية ولكنْ من جهة أنّهما سببُ الحياة، وإنّهما نِعمَ الطّعامُ إذا لم يكنِ الإنسانُ يجدُ سِواهما في تلك اللّحظة، فقال: «نِعْمَ الإدامُ الخلّ» .

إنّ كِسرةَ خُبزٍ تلك الّتي يُستهان بها عندَ قومٍ قد تكونُ تميمة النّجاة من الموتِ عندَ آخرين، ولقد عشْنا حتّى رأينا ذلك في زماننا هذا، ففي موضعٍ يموتُ النّاسُ جوعًا، وفي موضعٍ يُعدِّدون ويختارون بين أصنافٍ لا حصرَ لها، ثُمّ هم لا يشكرون.

إنّ الطّعام ممدوحٌ لذاته من جهة أنّه رِزقُ الله، ورِزقُه نِعمته، والحديث عنه بالتّهوين أو بالاستِخفاف يدخل في باب كُفر النّعمة.

وإنّ شيخًا لا يكادُ يزنُ خمسين كيلو غرامًا أقام الدُّنيا وملأها دَويًّا، وكان لا يأكلُ إلاّ خبزًا ولا يشربُ إلاّ ماءً، ولم يُغرِه لحمٌ ولو قدّموه له، ذلكم المعرّي الّذي قال عنه الجواهريّ:

على الحصيرِ وكوزُ الماء يَرفدهُ

وذِهنُه، ورفوفٌ تحمِلُ الكتبا

أقامَ بالضَّجَّةِ الدُّنيا وأقعدَها

شيخٌ أطلَّ عليها مُشفقًا حَدِبا

أيّها الإنسانُ الّذي لو أُغلِقتْ عليه أبواب السّماء لنهَشَه الجُوع، وأكلَه المرض، وفتكَ به العَطَش، احمدِ الله على اللُّقمة الّتي تستسيغُها، وعلى الشّربة الّتي تتجرّعها، فإنّ الله عرّفكَ بأقلّهما أوفَى نِعَمِه، ولا تذمّ طعامًا قُدِّمَ إليكَ لأنّه لم يأتِ على مقياس شَرَهِك، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما عابَ طعامًا قطّ، إنِ اشتهاه أكله، وإنْ لم يشتَهِه تركه.